الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

77

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

و وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ صفتان جرتا على موصوف محذوف ، أي الأعمال الصالحات الباقيات ، أي التي لا زوال لها ، أي لا زوال لخيرها ، وهو ثوابها الخالد ، فهي خير من زينة الحياة الدنيا التي هي غير باقية . وكان مقتضى الظاهر في ترتيب الوصفين أن يقدم الصَّالِحاتُ على وَالْباقِياتُ لأنهما وإن كانا وصفين لموصوف محذوف إلا أن أعرفهما في وصفية ذلك المحذوف هو الصالحات ، لأنه قد شاع أن يقال : الأعمال الصالحات ولا يقال الأعمال الباقيات ، ولأن بقاءها مترتب على صلاحها ، فلا جرم أن الصالحات وصف قام مقام الموصوف وأغنى عنه كثيرا في الكلام حتى صار لفظ ( الصالحات ) بمنزلة الاسم الدال على عمل خير ، وذلك كثير في القرآن قال تعالى : وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ * [ الكهف : 107 ] ، وفي كلامهم قال جرير : كيف الهجاء وما تنفك صالحة * من آل لأم بظهر الغيب تأتيني ولكن خولف مقتضى الظاهر هنا ، فقدم ( الباقيات ) للتنبيه على أن ما ذكر قبله إنما كان مفصولا لأنه ليس بباق ، وهو المال والبنون ، كقوله تعالى : وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ [ الرعد : 26 ] ، فكان هذا التقديم قاضيا لحق الإيجاز لإغنائه عن كلام محذوف ، تقديره : أن ذلك زائل أو ما هو بباق والباقيات من الصالحات خير منه ، فكان قوله : فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ [ الكهف : 45 ] مفيدا للزوال بطريقة التمثيل وهو من دلالة التضمن ، وكان قوله : وَالْباقِياتُ مفيدا زوال غيرها بطريقة الالتزام ، فحصل دلالتان غير مطابقتين وهما أوقع في صناعة البلاغة ، وحصل بثانيتهما تأكيد لمفاد الأولى فجاء كلاما مؤكدا موجزا . ونظير هذه الآية آية سورة مريم قوله : وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا [ مريم : 76 ] فإنه وقع إثر قوله : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً [ مريم : 73 - 74 ] الآية . وتقديم المال على البنين في الذكر لأنه أسبق خطورا لأذهان الناس ، لأنه يرغب فيه الصغير والكبير والشاب والشيخ ومن له من الأولاد ما قد كفاه ولذلك أيضا قدم في بيت طرفة المذكور آنفا .